زمن

(هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)


تخيل أن الكون كتاب عظيم كل صفحاته موجودة في آن واحد، الماضي صفحة والمستقبل صفحة والحاضر هو إصبعك الذي ينتقل بينهما أنت الذي تقلب الصفحات لا الكتاب الذي يتبدل، الزمن إذن ليس نهراً يجري بل بحر ساكن ونحن قوارب صغيرة تشق سطحه فتظن أن الماء يتحرك بينما الحركة في الحقيقة حركتنا.




وما العلاقة بين الزمن والمكان إلا علاقة الروح بالجسد المكان يمنح الحدث جسده والزمن يمنحه روحه لا يمكن لذكرى أن تولد بلا مكان احتواها، ولا يمكن لمكان أن يروي حكايته بلا زمن مر عليه، حين نقف في بيت قديم نشعر أن الجدران تحتفظ بأصوات من سكنوه كأن الزمن عالق في زواياه لكن الحقيقة أن وعينا هو الذي يوقظ تلك الطبقات الخفية من الوجود.


أحيانا نشعر بثقل السنين فنحسب أن الزمن قاس علينا لكنه لم يكن سوى مرآة عكست تبدل ملامحنا نحن الذين تغيرنا نحن الذين حملنا التجارب فوق أكتافنا حتى صرنا أثقل مما كنا الزمن لم يزد وزنه ولم ينقص سرعته بل ظل ثابتا في صمته العميق.


ربما لو أنصتنا جيدا لاكتشفنا أن الزمن لا يركض ولا يلهث بل نحن الذين نركض داخله بحثا عن معنى وحين نتوقف لحظة ونتأمل سنشعر بشيء من السكينة سنفهم أن كل لحظة عشناها ما زالت قائمة في مكان ما من هذا الامتداد الواسع وأننا لسنا ضحايا مرور الأيام بل مسافرون في فضاء ثابت اسمه زمن.


وهكذا يصبح الزمن قصيدة مفتوحة..

لا يكتبها هو بل نكتبها نحن بخطواتنا وقراراتنا وأحلامنا هو الصفحة البيضاء ونحن الحبر المتغير هو الصمت الأبدي ونحن الصوت العابر وبين الثبات والتحول تولد حكايتنا الإنسانية الجميل.


الأمر الذي يثير التأمل أكثر أن إحساسنا بمرور الزمن يتغير بتغير حالتنا النفسية الدقيقة الواحدة في لحظة خوف قد تبدو دهرا وفي لحظة فرح قد تمر كأنها ومضة، لو كان الزمن هو الذي يجري حقاً لكان إيقاعه واحداً لا يتبدل لكن الذي يتبدل هو شعورنا نحن وهذا يوحي بأن التدفق يسكن وعينا لا في جوهر الزمن ذاته.


حتى الشيخوخة التي نعدها برهانا على قسوة الأيام قد تكون شاهدا على حركتنا لا على حركته الجسد يتبدل لأن خلاياه في سفر دائم والعقل ينضج لأنه يعبر تجارب متراكمة أما الزمن فلا يترك أثرا ماديا يمكن لمسه هو لا يحمل تجاعيد ولا ينحني من التعب إنه الإطار الصامت الذي تظهر فيه كل هذه العلامات.


فإذا كان الزمن ثابتا بهذا المعنى فإن كل لحظة فرح عشناها لم تذهب وكل ألم مر بنا لم يبتلع في العدم بل بقي في موضعه من الوجود محفوظا كما تحفظ اللوحة في معرض واسع نحن الذين انتقلنا من أمامها إلى لوحة أخرى.


ربما تكمن الراحة في هذا التصور أن لا شيء يضيع حقا وأن حياتنا ليست خطاً يتآكل خلفنا بل مساحة كاملة قائمة بذاتها نحن نعبرها مقطعا بعد مقطع وفي كل مقطع نترك أثرا من وعينا.


فالزمن قد يكون ثابتا بالفعل لكن معنى الرحلة تتشكل بمدى حضورنا ونحن نسير في هذا الاتساع الهادئ الذي نسميه زمن.



0تعليقات