السنن الكونية القدرية هي القوانين الثابتة التي وضعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم الكون والحياة، وهي سنن لا تتبدل ولا تتحول، وتسري على جميع الخلق دون استثناء، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السنن في مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، مما يدل على ثباتها واستمرارها عبر الزمان والمكان.

وتُسمى هذه السنن بـ«الكونية» لأنها تتعلق بنظام الكون والحياة، و«القدرية» لأنها مرتبطة بقدر الله وإرادته، فهي تجري وفق حكمته وعدله، لا تخضع للأهواء ولا للمصادفات. ومن أبرز خصائص السنن الكونية القدرية أنها تقوم على مبدأ السببية، أي أن لكل نتيجة سببًا، ولكل فعل أثرًا، فمن أخذ بالأسباب وصل إلى النتائج، ومن أهملها فاته المقصود.
ومن أمثلة السنن الكونية القدرية: سنة الأخذ بالأسباب، وسنة التدرج، وسنة التدافع بين الحق والباطل، وسنة النصر والهزيمة، وسنة الابتلاء. فسنة الأخذ بالأسباب تعني أن الله سبحانه وتعالى جعل للنجاح والعمل والرزق طرقًا واضحة، فلا يتحقق النصر بلا إعداد، ولا يأتي الرزق بلا سعي، حتى مع الإيمان والتوكل. أما سنة الابتلاء، فهي ماضية في حياة الأفراد والأمم، إذ يبتلي الله عباده بالخير والشر ليميز الصادق من الكاذب، والصابر من الجازع.
وتبرز أهمية فهم السنن الكونية القدرية في أنها تساعد الإنسان على فهم الواقع والتعامل معه بوعي وحكمة، بعيدًا عن التواكل أو اليأس. فالمؤمن حين يدرك أن التغيير مرتبط بالأسباب، يسعى للإصلاح والعمل، ويعلم أن الدعاء لا يغني عن السعي، كما أن السعي لا يغني عن التوكل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، وهي قاعدة عظيمة من قواعد السنن الكونية.
كما أن هذه السنن تعلم الإنسان العدل والإنصاف، إذ لا يحابي الله أحدًا على حساب أحد، فمن عمل وجد، ومن ظلم هلك، سواء كان فردًا أو أمة. ولذلك فإن تخلف الأمم أو تقدمها لا يُقاس فقط بادعاء الإيمان، بل بمدى التزامها بهذه السنن من عدل، وعلم، وعمل، وأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول، إن السنن الكونية القدرية تمثل نظامًا ربانيًا محكمًا يسير عليه الكون، وفهمها يعين الإنسان على بناء حياته على أسس صحيحة، ويمنحه نظرة متوازنة تجمع بين الإيمان والعمل، والقدر والمسؤولية، مما يحقق له النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.
0تعليقات