علم الأثير والإعجاز العلمي



الأثير هو (مجال غير مرئي) والذي هو عبارة عن موجات كهروناطيسية واهتزازات ناتجة عن تفاعل المجالين الكهربائي والمغناطيسي، تنتقل في الفضاء بدون حاجة إلى وسط.

من هنا يبدأ السؤال الكبير كيف تنتقل موجة في فراغ؟

وكيف يعبر الضوء ملايين السنين الضوئية ليصل إلينا دون أن يضل طريقه؟

ومن الذي هيأ لهذا الكون نظاماً دقيقاً حيث يحمل الإشارات، والحرارة، والصوت المحول إلى موجات، وصور تتحول إلى نور؟

إن الحديث عن الأثير أو المجال الغير مرئي والذي تخيله العلماء قديماً أو حديثاً لم يكن إلا محاولة لفهم سر الانتقال الخفي للطاقة في هذا الكون، ثم جاء العلم الحديث ليكتشف أن المجال نفسه هو الحامل وأن الفراغ ليس عدماً، بل مسرحاً مفعماً بالقوانين الدقيقة التي تحفظ الاتساق وتحمل الرسائل عبر الكون كله!


وحين نتأمل هذا النظام المذهل يخطر على المتأمل في تاريخ الإعجازات، قصة نبي الله يعقوب عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم، حين قال (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) كانت المسافة شاسعة، وكان الفقد طويلاً، وكان الأمل في نظر الناس ميؤوساً منه، لكن الإحساس سبق الخبر! وكأن موجة خفية حملت أثر يوسف عبر الصحراء حتى استقر في قلب أبيه! أليس في ذلك ما يوقظ التأمل في عالم الإشارات والمجالات الغير مرئية التي تعبر المسافات بلا عائق كما تعبر الموجات الكهرومغناطيسية الفضاء بلا وسط؟


إن القميص الذي أرسل به يوسف عليه السلام، لم يكن مجرد قطعة قماش بل كان سبباً مادياً لعودة البصر كما يخبرنا القرآن، وهذا يفتح باباً للتأمل في العلاقة بين المادة والطاقة والأثر، فالروائح نفسها ما هي إلا جزيئات دقيقة تنتقل عبر الهواء وفق قوانين دقيقة، وكذلك الضوء الذي يحمل الصورة واللون، فحين ارتد البصر كأنما اكتملت دائرة بين سبب محسوس وسنة كونية تحكمها قوانين ثابتة أودعها الخالق في هذا الكون.


ومن الإعجازات يشير القرآن إلى مواضع كثيرة وحقائق تتصل بعالم الموجات والاتصال والانتشار، ألم يقل تعالى (والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون) السماء المبنية بقوة ليست مجرد سقف جامد بل بناء ديناميكي حيّ، يتسع باستمرار وفي داخله تنتشر الموجات والحقول والطاقة والضوء ينتقل دون وسط مادي تقليدي لكنه ينتقل في حيز كوني تحكمه قوانين دقيقة منحنية بفعل الجاذبية كما وصفها علماء الفيزياء في النسبية العامة، فالآية تشير إلى خاصيتين عظيمتين:

- البناء المحكم.

- والاتساع المستمر.


والاتساع شرط أساسي للانتشار فلو كان الكون منكمشًا أو مغلقًا بطريقة مختلفة لتغيرت خصائص انتقال الإشعاع والطاقة جذريًا.


ولقد كشف علماء الفيزياء أن الطاقة والمادة وجهان لحقيقة واحدة وفق معادلة دقيقة فسبحان من أودع في الكون هذا الترابط العجيب.


وفي السنة النبوية إشارات إلى عالم غير مرئي تحيط به قوانين لا نراها لكن نؤمن بآثارها، فالملائكة عالم نوراني، والشياطين عالم ناري، والروح سر إلهي!

(قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وكل ذلك يفتح باباً للتفكر في أن الوجود أوسع من المحسوس وأن وراء الحواس عوالم تحكمها سنن دقيقة.


كما أن قصة سليمان عليه السلام وتسخير الريح له تجري بأمره رخاء حيث أصاب، تذكرنا بأن الهواء ليس فراغاً ساكناً بل وسط مليء بالطاقة والحركة، وأن التحكم في عناصر الطبيعة مرتبط بفهم قوانينها.


وفي قصة الهدهد الذي نقل خبر سبأ، وعرش بلقيس الذي أتى به الرجل الصالح لسليمان عليه السلام في أقل من طرفة عين! ماهي إلا صورة لاتصال عجيب سابق لعصره، وكأن الرسائل تعبر المسافات كما تعبر اليوم الإشارات عبر الأقمار الصناعية!


إن التأمل في الأثير أو في الحقول والموجات يقودنا إلى يقين أن الكون كتاب مفتوح، وأن كل قانون فيزيائي هو آية، وأن كل موجة تعبر الفضاء هي شهادة على إحكام الصنعة، وأن شعور يعقوب بريح يوسف لم يكن مجرد خيالاً عاطفياً بل مشهداً يجمع بين الإيمان والسنن الكونية، في لحظة يلتقي فيها اليقين بالعلم ويلتقي فيها الخيال بالحقيقة ويبقى القرآن يدعو (أفلا يتدبرون) ليظل باب الاكتشاف مفتوحاً بين نور الوحي وآفاق الكون الواسع.

وقد تتبادر إلى البعض تساؤلات غريبة، منها:

كيف تنتقل العين إلى المعيون؟ وكيف تؤثر ومتى وكيف لا تؤثر؟ 

أيضاً كيف تؤثر النفس في الآخرين؟ ومتى وكيف لا تؤثر؟ 

وما علاقة ذلك كله في علم الأثير !  

حفظنا الله وإياكم من كل شر.


أحدث أقدم